مراجع في المصطلح واللغة

مراجع في المصطلح واللغة

كتاب الكبائر_لمحمد بن عثمان الذهبي/تابع الكبائر من... /حياة ابن تيمية العلمية أ. د. عبدالله بن مبارك آل... /التهاب الكلية الخلالي /الالتهاب السحائي عند الكبار والأطفال /صحيح السيرة النبوية{{ما صحّ من سيرة رسول الله صلى ... /كتاب : عيون الأخبار ابن قتيبة الدينوري أقسام ا... /كتاب :البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء ا... /أنواع العدوى المنقولة جنسياً ومنها الإيدز والعدوى ... /الالتهاب الرئوي الحاد /اعراض التسمم بالمعادن الرصاص والزرنيخ /المجلد الثالث 3. والرابع 4. [ القاموس المحيط - : م... /المجلد 11 و12.لسان العرب لمحمد بن مكرم بن منظور ال... /موسوعة المعاجم والقواميس - الإصدار الثاني / مجلد{1 و 2}كتاب: الفائق في غريب الحديث والأثر لأبي... /مجلد واحد كتاب: اللطائف في اللغة = معجم أسماء الأش... /مجلد {1 و 2 } كتاب: المحيط في اللغة لإسماعيل بن ... /سيرة الشيخ الألباني رحمه الله وغفر له /اللوكيميا النخاعية الحادة Acute Myeloid Leukemia.... /قائمة /مختصرات الأمراض والاضطرابات / اللقاحات وما تمنعه من أمراض /البواسير ( Hemorrhoids) /علاج الربو بالفصد /دراسة مفصلة لموسوعة أطراف الحديث النبوي للشيخ سع... / مصحف الشمرلي كله /حمل ما تريد من كتب /مكتبة التاريخ و مكتبة الحديث /مكتبة علوم القران و الادب /علاج سرطان البروستات بالاستماتة. /جهاز المناعة و الكيموكين CCL5 .. /السيتوكين" التي يجعل الجسم يهاجم نفسه /المنطقة المشفرة و{قائمة معلمات Y-STR} واختلال الص... /مشروع جينوم الشمبانزي /كتاب 1.: تاج العروس من جواهر القاموس محمّد بن محمّ... /كتاب :2. تاج العروس من جواهر القاموس /كتاب تاج العروس من جواهر القاموس /كتاب : تاج العروس من جواهر القاموس

الأربعاء، 15 مارس 2017

عرض كتاب احذروا الحسد


إهداء أهدي هذا الكتاب (احذروا الحسد) لكل مسلم ومسلمة
راجياً من الله لي ولهم السلامة من الزلل
كلمة للناشر
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على النبي الكريم محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
فهذه الطبعة الجديدة لكتاب احذروا الحسد لفضيلة الشيخ :عيسى بن إبراهيم الدريويش ، وذلك لنفاد الكمية السابقة .
جرى طبعه للمرة الثانية على نفقة فاعل خير أجرى هذه الطبعة وقفاً في سبيل الله له ولوالديه فنسأل الله أن يأجر المؤلف والمنفق.
الناشر
دعاء
إلهي إن كانت ذنوبنا قد أخافتنا من عقابك فإن حسن الظن قد أطمعنا في ثوابك فإن عفوت فمن أولى منك بذلك وإن عذبت فمن أعدل منك هنالك [قلت المدون/غير أننا نسألك العافية]. 
 
إلهي إن كنت لا ترحم إلا المجتهدين فمن للمقصرين وإن كنت لا تقبل إلا المخلصين فمن للمخطئين وإن كنت لا تكرم إلا المحسنين فمن للمسيئين؟
إلهي ما أعظم حسرتي أذكر غيري وأنا الغافل!
إلهي إذا أنا دللت السالكين عليك فوصلوا بإذنك ثم بحسن موعظتي إليك أتراك تقبل المدلول وترد الدليل فيارب أسألك بنور وجهك أن ترزقني الإخلاص وحسن القصد وأن تجعل عملي هذا خالصًا لوجهك الكريم آمين.
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. 
 
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد r، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإن كل من أخلص في دينه لله يجد نفسه مرتبطًا بالكتاب والسنة وصاحب السنة هو الذي بواسطته جاء التشريع الإلهي بشقيه القرآن والسنة، ولهذا فمن نعمة الله علينا أن رزقنا الإسلام، وجعلنا من أهله وعلمنا القرآن والسنة، وهذه نعمة عظيمة {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} وكتابي هذا: «احذروا الحسد» أردت فيه بيان ماذا ينبغي على المسلم من البعد تجاه هذا الخلق الرديء والطبع السقيم، وماذا عليه أن يعمل تجاه نفسه حين يجد فيها حسدًا للآخرين وكيف يرده عملًا بالكتاب والسنة. فالحسد يظهر من ضعف الإيمان، وضعف وازع الخير، وضيق العطن، والبخل على خلق الله، فصاحبه صاحب خلق لئيم، وهو رزية من الرزايا، وبلية من البلايا، وشر كبير، قال الله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54].
فالإخوة الإيمانية تحتم على كل مسلم أن يترفَّع عن الإساءة لأخيه المسلم حينما يراه قد فاقه في علم أو تجارة أو صناعة أو ثناء ونحو ذلك لكن ليس من المانع أن أن يجتهد هذه في بذل الجهد للوصول إلى ما وصل إليه غيره مع احترام من ينافسه مع صفاء السريرة وصفاء العلاقة وهذا تنافس في محله ومن المشروع لأن في النتيجة مصالح عامة دعا إليها الإسلام.
قال رسول الله r عن الحسد: «لا يجتمعان في قلب عبد: الإيمان والحسد» [رواه النسائي].. والله تعالى أسأله التوفيق والسداد.
المؤلف
عيسى بن إبراهيم الدريويش
تعريف الحسد
قال العلامة أحمد بن محمد المقري في كتابه «المصباح المنير»: «حسد: حسدته على النعمة وحسدته النعمة حسدًا بفتح السين أكثر من سكونها يتعدى إلى الثاني بنفسه وبالحرف إذا كرهتها عنده وتمنيت زوالها عنه، وأما الحسد على الشجاعة ونحو ذلك فهو الغبطة، ومنه معنى التعجب، وليس فيه تمني زوال ذلك عن المحسود فإن تمناه فهو القسم الأول وهو حرام».
وقال زين الدين محمد عن أبي بكر الرازي في كتابه «مختار الصحاح»: «الحسد أن تتمنى زوال نعمة المحسود إليك».
وقال الأخفش: «وبعضهم يقول يحسده بالكسر حسدًا بفتحتين وحساده وحسده على الشيء وحسده الشيء بمعنى: وتحاسد القوم وقوم حسدة».
قال ابن رجب- رحمه الله- : «والحسد مركوز في طباع البشر وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام منهم من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول وبالفعل ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه، ومنهم من يسعى في إزالة النعمة عن المحسود فقط من غير نقل إلى نفسه ، وهو شرهما وأخبثهما وهذا هو الحسد المذموم المنهي عنه، قال الله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء: 32].
فالحسد من أخلاق نفس وضيعة ساقطة ليس فيها رغبة على الخير، فلمهانتها تحسد الآخرين الذين يكتسبون الخير والفضائل والمحامد والمعالي، فهو يتمنى زوال النعمة عن المحسود كما قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89].
فصاحب الحسد عدو للنعمة محارب للخير لأنه يريد غيره كمثله في النقصان.
***
كيف يحصل الحسد؟!
يحصل الحسد بين الأقران والإخوان والأقارب والعام والخاص لوجود الأسباب الداعية إلى الحسد.
يقول أبو حامد- رحمه الله- : «اعلم أن الحسد إنما يكثر بين قوم تكثر بينهم الأسباب الداعية إلى الحسد، وهذه الأسباب إنما تكثر بين أقوام تجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض، فإذا خالف واحد منهم صاحبه في غرض من الأغراض نفر طبعه عنه وثبت الحق في قلبه فعند ذلك يريد أن يستحقره ويتكبر عليه ويكافئه على مخالفته لغرضه ويكره تمكنه من النعمة التي توصله إلى أغراضه، وتترادف جملة من هذه الأسباب؛ إذ لا رابطة بين شخصين في بلدتين متنائيتين، فلا يكون بينهما محاسدة، وكذلك في محلتين، نعم إن تجاورا في مسكن أو سوق أو مدرسة أو مسجد توادداً على مقاصد تتناقض فيها أغراضها فيثور من التناقض التنافر والتباغض ومنه تثور بقية أسباب الحسد ولذلك نرى العالم يحسد العالم دون العابد، والعابد يحسد العابد دون العالم، والتاجر يحسد التاجر بل الإسكافي يحسد الإسكافي ولا يحسد البزاز إلا بسبب آخر سوى الاجتماع في الحرفة، ويحسد الرجل أخاه وابن عمه أكثر مما يحسد الأجانب والمرأة تحسد ضرتها وسرية زوجها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته، والشجاع يحسد الشجاع ولا يحسد العالم لأن مقصده أن يذكر بالشجاعة ويشتهر بها، وينفرد بهذه الخصلة.
ولا يزاحمه العالم على هذا الغرض وكذلك يحسد العالِم العالم ولا يحسد الشجاع، ثم حسد الواعظ للواعظ أكثر من حسده للفقيه والطبيب لأن التزاحم بينهم على مقصود واحد أخص، فأصل هذه المحاسدات العداوة وأصل العداوة التزاحم بينهما على غرض واحد فلذلك يكثر الحسد بينهما نعوذ بالله من الخزي والبوار.
***
أسباب ومظاهر الحسد
1- العداوة والبغضاء. 2- الكبر.
3- التعزز. 4- التعجب.
5- الخوف من فوات المقاصد.
6- حب الرياسة وطلب الجاه لنفسه.
7- خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله تعالى.
* فالعداوة والبغضاء: من أشد أسباب الحسد فإن من أذاه شخص بسبب من الأسباب وخالفه في غرض بوجه من الوجوه أبغضه قلبه وغضب عليه ورسخ في نفسه الحقد، والحقد يقتضي التشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن أن يتشفى بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان وربما يحيل ذلك على كرامة نفسه عند الله تعالى، فمهما أصابت عدوه بلية فرح بها وظنها مكافأة له من جهة الله على بغضه وأنها لأجله ومهما أصابته نعمة ساءه ذلك لأنه ضد مراده، وهذا مما وصف الله تعالى الكفار به- أعني الحسد بالعداوة- إذ قال الله تعالى: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119].
وقال الله تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ
يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120].
* أما التعزز: وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره فإذا أصاب بعض أمثاله ولاية أو علمًا أو مالًا خاف أن يتكبر عليه وهو لا يطيق تكبره، ولا تسمح نفسه باحتمال صلفه وتفاخره عليه وليس من غرضه أن يتكبر بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد رضي بمساواته مثلًا ولكن لا يرضى بالترفع وهذا يقع فيه البعض من الناس هداهم الله حيث أنهم يظهرون حسدهم لمن فاقهم من أقرانهم وذلك لمرض في قلوبهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- : «الحسد مرض النفس وهو مرض غالب فلا يخلص منه إلا القليل من الناس». ولهذا قيل: «ما خلا جسد من حسد، لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه». حتى قال رحمه الله: «فمن وجد في نفسه حسدًا لغيره فعليه أن يستعمل معه التقوى والصبر فيكره ذلك نفسه وكثير من الناس الذين عندهم دين لا يعتدون على المحسود ».
* وأما الكبر: قال عنه وهو أن يكون في طبعه أن يتكبر عليه ويستصغره ولربما يتشرف إلى مساواته أو إلى أن يرتفع عليه فيعود متكبرًا ومن التكبر كان حسد أكثر الكفار لرسول الله r إذ قالوا: «كيف يتقدم علينا غلام يتيم؟ وكيف نُطأطئ رؤوسنا» فقالوا كما حكاه الله عنهم: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}. فجاءت الآيات بالرد عليهم: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف: 31، 32].
* وأما التعجب: كما أخبر الله تعالى عن الأمم السالفة إذ قالوا: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} وقالوا: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا}.
فتعجبوا أن يفوز برتبة الرسالة والوحي والقرب من الله تعالى بشر مثلهم فحسدوهم وأحبوا زوال النبوة عنهم جزعًا أن يفضل عليهم من هو مثلهم في الخلقة ولهذا نرى بعض الحساد يتمنى زوال النعمة عن المحسود وما ذاك إلا لأنهم تعجبوا من رؤية المحسود في مال أو جاه أو علم أو خير نعوذ بالله من الخذلان.
إن الحسود الظلوم في كرب
­
يخاله من يراه مظلومًا
ذا نفس دائم على نفس
يظهر منها ما كان مكتومًا
* وأما الخوف من فوت المقاصد:
وذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد، فإن كان واحد يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عونًا له في الإنفراد بمقصوده، ومن هذا الجنس تحاسدات الضرَّات في التزاحم على مقاصد الزوجية، وتحاسد الإخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلب الأبوين للتوصل إلى مقاصد الكرامة والمال، وكذلك تحاسد التلميذين لأستاذ واحد على نيل المرتبة من قلب الأستاذ، وتحاسد ندماء الملك وخواصه في نيل المنزلة من قلبه للتوصل به إلى المال والجاه، وكذلك تحاسد الواعظَيْن المتزاحمين على أهل بلدة واحدة إذا كان غرضهما نيل المال بالقبول عندهم، وكذلك تحاسد العالمين المتزاحمين على طائفة من المتفقهة محصورين إذ يطلب كل واحد منزلة في قلوبهم للتوصل إلى أغراض له.
وعند هذا تأسف لحال البغض حيث ارتبطت همتهم بالدنيا ، فنافسوا أقرانهم فيها، فوقعوا في حسدهم نعوذ بالله من الخذلان.
قال ابن المعتز- رحمه الله-:
اصبر على كيد الحسود
فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل بعضها
إن لم تجد ما تأكله
قال معاوية t: «ليس في خصال الشر أعدل من الحسد يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود».
* وأما الرياسة وطلب الجاه لنفسه: من غير توصل إلى مقصود وذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظر في فن من الفنون إذ غلب عليه حب الثناء واستفزه الفرح بما يمدح به من أنه واحد الدهر وفريد العصر في فنه وأنه لا نظير له فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم لساءه ذلك وأحب موته أو زوال النعمة عنه قلت يقع في هذا من ساقته نفسه الرديئة وخلقه الذميم للإضرار بالآخرين من الأقران لشدة الأسى على الخيرات التي وهبهم الله إياها.
إن يحسدوني فإني غير لائمهم
قبلي من الناس أهل الفضل قد حُسدوا
فدام لي ولهم وما بي وما بهم
ومـــــات أكثرنا غيــــظًا بــما يــجـــد
*وأما خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله تعالى : فإنك تجد من لا يشتغل برياسة ولا تكبر ولا طلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله فيما أنعم الله به عليه يشق عليه وإذا وصف له اضطراب أمور الناس وإدبارهم وفوات مقاصدهم وتنغص عيشهم فرح به فهو أبدًا يحب الإدبار لغيره ويبخل على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته. قلت: وهذا يقع فيه بعض الناس الذين مرضت قلوبهم حيث يتألمون ضيقًا وحرجًا وكراهية على النعمة التي أنعم الله بها على غيرهم فتحدث عندهم الرغبة في زوال النعمة من المحسود ويتمنون ذلك ويسعون لإزالتها. هكذا ذكر.
قال محمد الوراق- رحمه الله-:
أعطيت كل الناس من نفسي الرضا
إلا الحسود فإنه أعياني
ما إن لي ذنبًا إليه علمته
إلا تظاهر نعمة الرحمن
وأبى فما يرضيه إلا ذلتي
وذهاب أموالي وقطع لساني
قال بعض الحكماء: «ما أمحق للإيمان، ولا أهتك للستر من الحسد وذلك أن الحاسد معاند لكم الله باغ على عباده عات على ربه يعد نعم الله نقمًا ومزيده غيرًا وعدل قضائه حيفًا. للناس حال وله حال ليس يهدأ ليله ولا ينام جشعه ولا ينفعه عيشه محتقر لنعم الله عليه متسخط ما جرت به أقداره لا يبرد غليله ولا تؤمن غوائله إن سالمته وترك وإن وصلته قطعك وإن صرمته سبقك».
***
آفات الحاسد
اعلم أن للحاسد آفات عديدة منها:
الأولى: إفساده الطاعة والحسنة.
الثانية: الإفضاء إلى فعل المعاصي والآثام والأضرار بالآخرين.
الثالثة: التعب والهم والحسرات.
الرابعة: الاعتراض على القضاء.
الخامسة: انحطاط منزلته.
السادسة: بغض ومقت الخلق له.
السابعة: الحرمان والخذلان.
الثامنة: عمى القلب.
التاسعة: دخول النار.
الآفة الأولى: إفساد الطاعة والحسنة:
فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وفيه إسخاط الله تعالى عليه وذلك في معارضته واكتساب الأوزار في المخالفة فالحاسد ليس راض فيما قضى الله.
وجاء في الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أنس t أن رسول الله r قال: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام جنة من النار» [وهذا فيه ضعف لأن فيه عيسى بن عيسى وهو ضعيف].
روى الإمام البزار بإسناد جيد والبيهقي وغيرهما عن الزبير t أن رسول الله r قال: «دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء. والبغضاء هي الحالقة أما إني لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين».
الآفة الثانية: الإفضاء إلى فعل المعاصي والإضرار بالآخرين:
مما لاشك فيه أن الحسد طريق يوصل إلى فعل كل قبيح لأنه أول ذنب عصي الله به في السماء يعني حسد إبليس الرجيم لأبي البشر آدم u، وأول ذنب عصي الله به في الأرض يعني حسد ابن آدم لأخيه حتى قتله، فتأمل كيف أوصله الحسد إلى القتل فهو قد يوصل صاحبه إلى الضرب والشتم والسب والطعن ولربما التعدي على الأنفس والأرواح والأموال والهمز والغمز واللمز وارتكاب الآثام والمنكرات لأن صاحب الحسد نفسه رديئة.
إن الحسود لظلوم في كرب
يخاله من يراه مظلومًا
ذا نفس دائم على نفس
يظهر منها ما كان مكتومًا
قال الإمام الماوردي- رحمه الله-: «لو لم يكن من ذم الحسد إلا أنه خلق دنيء يتوجه نحو الأكفاء والأقارب ويختص بالمخالط والمصاحب لكانت النزاهة عنه كرمًا والسلامة منه مغنمًا فكيف وهو بالنفس مضر وعلى الخصم مصر حتى ربما أفضى بصاحبه إلى التلف من غير نكاية في عدو ولا إضرار بمحسود».
وقيل: من علامات الحاسد: أن يتملق إذا شهد، ويغتاب إذا غاب، ويشمت بالمصيبة إذا نزلت.. وأنشدوا:
كل العداوة ترجى إماتتها
إلا عداوة من عاداك من حسد
الآفة الثالثة: التعب والهم والحسرات:
دع الحسود وما يلقاه من كمده
كفاك منه لهيب النار في جسده
إن لمت ذا حسد نفست كربته
وإن سكت فقد عذبته بيده
قال الأصمعي: «سمعت أعرابيًا يقول: ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من الحاسد. حزن لازم، ونفس دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي».
قال بعض الحكماء: «يكفيك من الحاسد أنه يغتم في وقت سرورك».
وقال بعضهم: «غم الحاسد لا ينقطع، وقلبه لا يستريح، ونفسه لا تطمئن، وثائرته لا تسكن، ومصيبته لا يُجبر فيها، وعمله لا يرضى به أحد ولا يقره عليه إلا خبيث مثله، وربه ساخط عليه، ولا ترى الحاسد إلا كئيبًا حزينًا».
الآفة الرابعة: الاعتراض على قضاء الله:
ومعنى هذا كأن الحاسد يقول: يا رب أنا أولى منه بالنعمة. إذ ليس يرى قضاء الله عدلًا ولا النعمة من الناس أهلًا.
قال عبد الله بن المعتز: «الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، بخيل بما لا يملكه، طالب ما لا يجده».
ولهذا حاسد النعمة لا يرضيه إلا زوالها، إذا رأيته وجدته حزينًا معارضًا لقضاء الله وقدره، يحب الشر ولو بيده لسلب النعمة من أخيه، ولجعله فقيرًا بعد الغنى، وذليلًا بعد العز، وأميًا بعد المعرفة، وجاهلًا بعد العلم.
هكذا يسعى الحاسدون، ولكن الله يختص برحمته من يشاء.
وجاء في الحديث القدسي: «الحاسد عدو لنعمتي متسخط لقضائي غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي».
ولله در القائل:
سلم لربك يا حسود ولا تكن
فيما يريد الله بالمعترض
فالرزق مقسوم وما من موسر
أو معسر إلا بأمر قد مضى
وإذا أفاض الله نعمته على
عبد فأول ما تشاء وفوض
واعلم بأن الله عدل حكمه
سيان إن غضب الحسود وإن رضى
قال منصور الفقيه:
ألا قل لمن ظل لي حاسدًا
أتدري من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه
إذا أنت لم ترض لي ما وهب
فالحسد يود لو أصبح أصحاب النعم محرومين ويتشفى ويتمنى لو أضحوا لا مكان لهم مشردين ومحرومين وهذا من دلائل الصغار وتعمق الغل في النفوس المريضة بالحسد فالكثير من أصحاب النفوس المريضة بهذا الداء لا يستريحون إلا إذا أفسدوا. نعوذ بالله أن نكون سببًا في شقاء أحد من عباده المسلمين.
الآفة الخامسة والسادسة: انحطاط منزلته وبغضه ومقت الخلق له:
لا شك أن الحاسد إذا أبغضه الناس لأجل أذاه وحسده انحطت منزلته بين الناس، فصار نشازًا يكرهونه ولا يألفونه لأن الطباع البشرية تحب وتألف من يحسن إليها وتكره من يسيء إليها والحسد من أشد الإساءات ولهذا يحصل النفور بينه وبين الخلق لأنه شارك إبليس وعامة الكفار في رغبتهم للمؤمنين البلايا، وزوال النعم وهذه خبائث في النفوس تمحو الحسنات كما يمحو الليل النهار.
ذكر ابن أبي الدنيا قال: «بلغني عن عمر بن ذر رحمه الله أنه قال: اللهم من أرادنا بشر فكفناه بأي حكميك شئت، إما بتوبة وإما براحة».
الآفة السابعة: الحرمان والخذلان:
وهذا من البلاء أن يحرم الإنسان الخير ويخذل في نفسه وحاجته.
فالحاسد هذا لباسه فهو محروم من طمأنينة القلب ومخذول من غيره كلما سار سقط. هفواته متعددة. يحرق نفسه ويعذب قلبه.
قال الحسن علي بن محمد الماوردي - رحمه الله- عن الحاسد: «صدته الشهوة عن مراشده، وأضله الحرمان عن مقاصده، فانقاد للطبع اللئيم، وغلب عليه الخُلُق الذميم، حتى ظهر حسده واشتد كمده». فنعوذ بالله من الحرمان والمقت والخذلان.
قال محمد الوراق:
أعطيت كل الناس من نفسي الرضا
إلا الحسود فإنه أعياني
ما إن لي ذنبًا إلا علمته
إلا تظاهر نعمة الرحمن
وأبى فما يرضيه إلا ذلتي
وذهاب أموالي وقطع لساني
الآفة الثامنة: عمى القلب:
الحسد والبصيرة ضدان لا يجتمعان في قلب كما لا يجتمع الماء والنار.
فالقلب يستنير بالإيمان والطاعات، ومع الحسد يظلم القلب ويقسوا فيأبى صاحبه إلا الجهر بالسوء والتنكر للمعروف.
قال سليمان التيمي- رحمه الله-: «الحسد يضعف اليقين ويسهر العين ويكثر الهم».
يقول ابن القيم رحمه الله:
«ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله».
* خلقت النار لإذابة القلوب القاسية.
* أبعد القول من الله القلب القاسي.
* إذا قسا القلب قحطت العين.
* من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهواته.
* القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها فالقلوب آنية الله في أرضه فأحبها إليها أرقها وأصلبها وأصفاها.
فالحسد طبع خبيث فكم رابطة قطعها، وكم من محبة مزقها، وكم قلوب أظلمها وأقساها، ولهذا عد العلماء الحسد من الفواحش الباطنة، نعوذ بالله من الإثم ما ظهر منه وما بطن.
الآفة التاسعة: دخول النار:
إن من الدلائل على وخامة الحسد وسوء نهايته قال الله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} [النساء: 54: 55].
فقوله: {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} نارًا مسعورة يعذبون بها هذا إن لم تقع عليهم العقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من عذاب جهنم وسعيرها.
وقال رسول الله r: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر».
والحسد من الكبر وديننا يمنع الكبر والتعرض للناس بالأذى.
وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58].
ومع هذا إن تاب الحاسد وترك أذا فإن الله وعد بأن من تاب إليه تاب عليه، ولعل بما ذكرت من آفات الحاسد وأضراره ما يدعوه إلى الانكفاف عن الحسد وتطهير النفس منه.
***
الاستشهاد على سوء الحسد
قال الله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء: 32].
وقال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53].
وقال الله تعالى: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88].
وقال الله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}[طه: 131].
وقال الله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5].
وقال الله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109].
وقال الله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54].
***
التفسير الموجز لهذه الآيات
قال الله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء: 32].
* التفسير الموجز لهذه الآية:
قال الله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}. قال الطبري رحمه الله: «ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض من منازل الفضل ودرجات الخير وليرضى أحدكم بما قسم الله له» أ هـ.
وقوله تعالى : {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ}.
للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا من خير أو شر وللنساء نصيب مثل ذلك.
قال الله تعالى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} أي اسألوا الله توفيقه ومعونته على ما يرضيه {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} عليمًا بما يصلح العباد فيما قسم لهم من خير فسلموا الأمر إليه ورضوا بقضائه.
قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا}.
قال القرطبي رحمه الله: «إن المعنى أُختبر الأغنياء بالفقراء».
وقال الطبري رحمه الله تعالى: «أي ابتلينا واختبرنا بعض الناس بالغنى والفقر، والقوة والضعف، والعز والذل، والهدى والضلال، كي يقول من أضله الله وأعماه عن سبيل الحق أهؤلاء تفضل الله عليهم من دوننا بالهدى والرشاد وهم فقراء ضعفاء ونحن أغنياء أقوياء قالوا ذلك استهزاء وسخرية».
قال الله تعالى: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}.
قال الطبري رحمه الله عند تفسير هذه الآية: «لا تتمنين ما جعلنا متاعًا للأغنياء الكفار زينة هذه الدنيا فإن من ورائهم عذابًا غليظًا، ولا تحزن على ما متعوا به فإن لك في الآخرة ما هو خير منه».
قال الله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.
قال الطبري رحمه الله: «ولا تمدن: أي لا تنظر».
{إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ}: اي ما جعلنا لأصناف هؤلاء المعرضين من آيات ربهم {زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} متعة في حياتهم الدنيا يتمتعون بزهرتها ونضرتها. {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} لنختبرهم في ذلك.
{وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} ورزق ربك خير مما متعناهم به وأدوم لأنه لا انقطاع له.
وقال الله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ}.
قال ابن كثير- رحمه الله-: «يحذر الله تعالى عباده المؤمنين من سلوك طريق الكفار وأهل الكتاب ويعلمهم بعداوتهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين».
قال الله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}.
قال ابن كثير- رحمه الله-: «يعني بذلك حسدهم للنبي r على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقه إياه حسدهم لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل وهذا فيه إشارة إلى ذم الحسد».
قال الله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}.
قال المفسرون: «أي من شر كل حاسد إذا حسد غيره».
قال الشوكاني- رحمه الله-: «ومعنى إذا حسد أي: إذا أظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه وحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود».
قال عمر بن عبد العزيز- رحمه الله-: «لم أر ظالمًا أشبه بالمظلوم من حاسد».
قل للحسود إذا تنفس طعنة
يا ظالمًا وكأنه مظلوم
الدليل من السنة على ذم الحسد
* عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم ربكم. المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى ههنا، التقوى ههنا - وأشار إلى صدره- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وعرضه وماله» [ذكره المنذري رحمه الله في الترغيب. وقال: رواه مالك والبخاري ومسلم].
* وروى ابن ماجه يإسناد صحيح. عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب صدوق اللسان» قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد».
* وروى ابن ماجه عن أبي الزناد عن أنس t أن رسول الله r قال: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام جنة من النار» [وفيه ضعف].
* وروى الطبراني عن ضمرة بن ثعلبةt قال: قال رسول الله r: «لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا» [قال المنذري رحمه الله في الترغيب: ورواته ثقات].
* وأخرج عبد الرازق عن معمر بن إسماعيل بن أمية: «ثلاث لا يسلم منها أحد الطيرة والظن والحسد» قيل فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ» [وذكره صاحب الفتح].
* وجاء في كتاب «المثال» لأبي الشيخ الأصبهاني عن عطاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: «إن لأهل النعمة حسادًا فاحذروهم» [وفيه ضعف].
***
المؤمن يحب وليس بحسود
قال الله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8، 9].
تأمل (تبوءوا الدار والإيمان) والمراد الأنصار تبوءوا مدينة رسول الله r فانشرحت صدورهم للمسلمين المهاجرين وصفت قلوبهم لهم فصاروا يقدمون المهاجرين على أنفسهم حتى أن من كان عنده امرأتان ترك عن واحدة ليتزوجها من آخاه من المهاجرين.
وقال الله تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الفتح: 26].
نلاحظ أن الله مدح المؤمنين بما أنزل عليهم من السكينة والطمأنينة.
قال الله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا
أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس: 61].
جاء في «الترغيب والترهيب»: «أي شيء ظنهم؟ أيحسبون أن لا يجازوا عليه؛ وفيه إنذار العصاة ويدخل الحسد في ذلك».
وروى أحمد بإسناد على شرط البخاري ومسلم والنسائي عن أنس t قال: بينا نحن عند النبي r إذ قال: «يطلع رجل من أهل الجنة معلق نعليه بشماله» فطلع رجل بهذه الصفة، فسلم وجلس على القدم فلما كان من الغد. قال رسول الله r مثل ذلك فطلع ذلك الرجل على مثل هيئته فلما كان اليوم الثالث قال مثل ذلك، فلما قام رسول الله r سار معه عبد الله بن عمروt وقال: «وقع بيني وبين أبي كلام، وأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاث ليال فإذا رأيت أن تؤيني إليك لأجل يميني فعلت». قال: نعم. قال: فكان عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث أنه بات عنده ليلة فلم يقم منها إلا أنه إذا نام على فراشه ذكر الله تعالى وكبره حتى يقوم مع الفجر فإذا توضأ أسبغ الوضوء وأتم الصلاة ثم أصبح وهو مفطر قال: فرمقته ثلاث ليال لا يزيد على ذلك غير أني لا أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث وكدت أن أحقر عمله قلت له: إني لم يك بيني وبين أبي غضب ولا هجرة ولكني سمعت رسول الله r يقول في ثلاث مجالس: «يطلع عليكم رجل من أهل الجنة» فطلعت أنت فأردت أن آوي إليك حتى أنظر ما تعمل فأقتدي بك، فلم أرك تعمل كثيرًا، فما الذي بلغ بك ما قال النبي r؟ قال: «ما هو إلا ما رأيت». فانصرفت عنه فدعاني حين وليت فقال: «ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي شرًّا لأحد من المسلمين، ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه». قال: فقلت: هذا الذي بلغ بك ما قال رسول الله r.
قال ابن سعيد المغربي:
ولا تجادل أبدًا حاسدًا
فإنه أدعى إلى هيبتك
وامش الهوينى مظهرًا عفة
وابغ رضا الأعين عن هيبتك
وافش التحيات إلى أهلها
ونبه الناس إلى رتبتك
ولأبي حسن التهامي:
إني لا أرحم حاسدي من حرما
ضمنت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم
في جنة وقلوبهم في النار
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي
فكأنما برقــــــعت وجـــــــــه نــهــــــــــــــار
وسترتها بتواضعي فتطلعت
أعناقها تعلو على الأستار
ومن الرجال معالم ومجاهل
ومن النجوم غوامض ودراري
والناس مشتهون في إيرادهم
وتفاضل الأقوام في الإصدار
عمري لقد أوطأتهم طرق العلا
فعموا فلم يقفوا على آثاري
وقال المتنبي:
وهبنني قلت هذا الصبح ليل
أيعمى الظالمون عن الضياء
تطيع الحاسدين وأنت امرؤ
جعلت فداءه وهم فدائي
وقال الطغرائي:
جامل عدوك ما استطعت فإنه
بالرفق يطمع في صلاح الفاسد
واحذر حسودك ما استطعت فإنه
إن نمت عنه فليس عنك براقد
إن الحسود وإن إراك توددًا
منه أضر من العدو الحاقد
ولربما رضي العدو إذا رأى
منك الجميل فصار غير معاند
ورضا الحسود زوال نعمتك التي
أوتيتها من طارق أو تالد
فاصبر على غيظ الحسود فناره
ترمي حشاه بالعذاب الخالد
أو ما رأيت النار تأكل نفسها
حتى تعود إلى الرماد الهامد
تضفوا على المحسود نعمة ربه
ويذوب من كمد فؤاد الحاسد
وقال آخر:
لا غرو إن حسدت بنوء مناقبي
كل على مجرى أيبه جار
ورحمتا للحاسدين فنارهم
قد سعرت بعدًا لها من نار
وإذا جرى ذكري تكاد قلوبهم
تنشق أو تغتالني بشرار
كرهوا عطاء الله لي يا ويحهم
لشقائهم كرهوا صنيع الباري
ويزيدهم نارًا قوة قريحتي
وبلوغ أخباري إلى الأقطار
فاحذر بني الدنيا وكن في غفلة
عنهم وجانب كل كلب ضار
واحفظ لصاحبك القديم مكانه
لا تترك الود القديم الطاري
ومعالجة ذلك: تارة بالزهد في الدنيا وأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة فلا وجه للمنافسة فيها عند العقلاء؛ وتارة بالرضا بالقضاء فإنك إن لم ترض لم تحصل إلا على الندم وفوات الثواب وغضب رب الأرباب، فهما مصيبتان أو أكثر وليس للعاقل حيلة في دفع القضاء فعليه بالرضا.
مالي على مر القضاء
من حيلة غير الرضا
أنا في الهوى عبد وما
للعبد أن يتعرضا
***
الجزاء من جنس العمل
قال الله تعالى: {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ: 26].
لقد جعل الله عز وجل في هذا الكون الفسيح سننًا ثابتة تفعل فعلها متى شاء الله لها وهي تتحرك بأمر خالقها جل وعلا فإننا معشر المسلمين لو وضعنا قاعدة الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان أمام أعيننا لتوقفنا عن أفعال أنفسنا القبيحة، ولسلكنا ما ينفعنا وينفع غيرنا ولو تأمل المجترئ على فعل القبيح أن عاقبة فعله ستؤول عليه لما أقدم على فعل القبيح ولو تأمل الظالم المتسلط بظلمه على غيره أنه سيقع في عاقبة ظلمه وأن الله سينصر المظلوم ولو بعد حين لكف الظالم عن ظلمه.
وكذلك الحاسد لو تأمل عاقبة حسده وفتنته وشره لكف عن الحسد ولأحب لأخيه المسلم ما يحبه لنفسه.
يقول ابن الجوزي رحمه الله: «واعلم أن الجزاء بالمرصاد كانت حسنة أو سيئة، قال تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123].
والحاسد يعادي نفسه يحسد فيغتاب ليصل لمراده من الإساءة بالآخرين، والله تعالى يقول: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا}.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن سعيد بن زيد t بسند صحيح أن النبي r قال: «إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق».
ولهذا جاء في حديث أبي هريرة t مرفوعًا: «من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب به يوم القيامة فيقال له: كله ميتًا كما أكلته حيًّا، فيأكله ويكلح ويصيح».
وكذلك ترى الحاسد يتتبع العورات فإذا ما هاج في حسد أحد من المسلمين أو أبغضه تتبع عوراته والجزاء من جنس العمل.
جاء في الحديث الذي رواه أبو عن أبي برزة الأسلمي t قال: قال رسول الله r: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، وإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته» هكذا كما تدين تدان.
كذلك ترى الحاسد له همة في التعبير فإنك تراه لا يطمئن في مجلسه إلا ويعير المحسود ويصفه بأوصاف لا تمت له بصلة أو لربما كانت فيه فالحاسد جرئ على القبيح من القول. وغفل الحاسد أنه سيقع في شر عمله هذا. قيل في الأمثال: «من عير أخاه بلبن الكلبة لا يموت إلا إذا رضعها».
وقال عمرو بن شرحبيل: «لو رأيت رجلًا يرضع عنزًا فضحكت منه لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع».
وقال عبد الله بن مسعود t: «البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبًا» كما تدين تدان فهل يعلم الحاسد هذا؟!
فالحاسد يختلق الكذب لما في قلبه من المرض فهو يروج الباطل على المحسود ليصل لمراده من التشفي به مع أن الكذب من كبائر الذنوب.
قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النحل: 105].
قال مالك بن دينار: «الصدق والكذب يعتركان في القلب حتى يخرج أحدهما صاحبه».
وروى البيهقي رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها عن النبي r قال: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا».
قال ابن دينار رحمه الله: «ما من خطيب إلا وتعرض خطبته على عمله، فإن كان صادقًا صدق، وإن كان كاذبًا قرضت شفتاه بمقاريض من نار كلما قرضتا نبتتا» وهكذا كما تدين تدان.
وكذلك ترى الحاسد يصمك بما ليس فيك أو يتنقص في منزلتك عند الناس أو يحتقر أفعالك عند الآخرين فنفسه مريضة مشغوفة بذكر السقطات وما ذاك إلا لتشويه صورة المحسود وهذا من البغي.
وغفل الحاسد أن بغيه هذا سيعاقب عليه والجزاء من جنس العمل. قال الله تعالى: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [يونس: 23].
قيل في الحكم: «البغي من فروع الحسد وأقدم الناس على البغي من جهل المعرفة بسرعة نصر الله لمن بغي عليه».
روي عن ابن عباس t أنه قال: «لو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما».
ومن قول ابن عباس هذا؛ أخذ الشاعر فقال:
لو بغي جبل يومًا على جبل
لدك منه أعاليه وأسفله
ولكن مع هذا البغي من الحاسد على المحسود لربما كان الحسد منبهًا على مكانة المحسود بين الناس وذم ونقص واحتقار الحسود. كما قال أبو تمام الطائي:
وإذا أراد الله نشر فضيلة
طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت
ما كان يعرف طيب عرف العود
لولا التخوف للعواقب لم يزل
للحاسد النعمى على المحسود
قال الإمام الماوردي رحمه الله: «ليعلم أن مكانته في نفسه أبلغ ومن الحسد ابعد- يعني المحسود-».
وقد قيل: «العجب لغفلة الحساد عن سلامة الأجساد».
وقد يتعدى الحاسد إلى ما هو أفظع من ذلك لينال أغراضه ومقاصده الخبيثة، وهذه آفة تزيد القلب بعدًا وتملئه قسوةً، وإليك بعضًا من الأمثلة التي ظهر فيها الحسد يحمل معه في قلبه صاحبه غيظًا وزفيرًا وقد وقع من هذا الكثير إلا أنني أذكر بعضًا منها على سبيل المثال لا الحصر:
هذه قصة حسد إبليس لآدم u
قال الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34].
لما خلق الله تعالى آدم u أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم سجود تكريم لا سجود عبادة، فقام الملائكة بواجب الطاعة لله تعالى فسجدوا، إلا إبليس ففسق عن أمر ربه، وأبى أن يسجد استكبارًا وحسدًا، فقال: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [ص: 76].
وسأل الله تعالى إبليس وهو أعلم عن السبب الذي من أجله امتنع عن السجود إذ أمره فذكر إبليس محتجًا بأنه أفضل من آدم! فعاقبه الله تعالى وطرده من رحمته، ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيرًا.
قال الله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [ص: 75- 78].
وهذه قصة ابني آدم u
وماذا فعل الحسد بهما
قال الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 17- 30].
وقد ذكر السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن ناس من الصحابة رضي الله عنهم كما نقله ابن كثير: «أن آدم u كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الآخر، وان هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل، وكان أكبر من هابيل وأخت قابيل أحسن، فأراد قابيل أن يستأثر بها على أخيه وأمره آدم u أن يزوجه إياها، فأبى فأمرهما أن يقربا قربانًا فقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب غنم، وقرب قابيل حزمة من زرع من رديء زرعه، فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال لأقتلنك! حتى لا تنكح أختي فقال إنما يتقبل الله من المتقين فرمى على رأسه صخرة وهو نائم فشدخه بها، وهكذا حسد أخاه فقتله.
وأحب أن أبين لأخي القارئ أنه لم يرد في القرآن وكتب السنة تعيين اسمي ولدي آدم ولا طريقة القتل وإنما نقل ذلك عن بني إسرائيل ولا بأس بقول ذلك لإشهاره وعدم المخالفة.
والشاهد ما ورد في الآيات السابقة أنه قتله لأنه لم يتقبل من القاتل وتقبل من أخيه فحسده ثم قتله عدوانًا وظلمًا.
فحذار حذار من الحسد فلا تهمله وتتهاون به لأنه يبدأ صغيرًا فيكبر شيئًا فشيئًا نعوذ بالله من ذلك.
وهذا أول ذنب عصي الله به في الأرض حيث حسد ابن آدم أخاه حتى قتله قال بعض الحكماء من رضي بقضاء الله تعالى لم يسخطه أحد ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد.
وهنا لو أن ابن آدم رضي بما حصل من نعمة لأخيه لما كان منه القتل ولكن لما ضاق صدره أظهر غيظه وحسده فقتله فباء بالإثم والحرمان.
فالذي ينبغي علينا عند ملاحظة النعم عند الآخرين أن نحب لهم ما نحبه لأنفسنا وإن ولج في أنفسنا غيرة مذمومة فنستعيذ بالله منها ونسأل الله من فضله.
قال الله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26].
قصة حسد أبناء يعقوب u
لأخيهم يوسف u
قال تعالى حاكيًا عن يوسف أنه قال: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: 4- 5].
يوسف u رأى هذه الرؤيا في حداثة سنه، ووقع تفسيرها بعد أربعين سنة وذلك بعد أن جاء بأبويه وإخوانه من بلاد الشام إلى مصر بعد أن صار في مصر ملكًا على أموالها وخزائنها ويوسف u أمره أبوه أن لا يحدث بهذه الرؤيا حتى لا يحسده إخوانه. فالشمس والقمر هما أبواه وإخوانه الأحد عشر كوكبًا وسيخرون له سجدًا تكريمًا له وهذا في شريعتهم من الجائز.
ثم تفضيل وميل يعقوب u ليوسف على إخوانه سببًا من الأسباب التي ألهبت ضغينة إخوانه فحسدوه على هذه المنزلة فكادوا له ليخلوا لهم وجه أبيهم.
ماذا فعل بهم الحسد؟
لقد أثار ضغينتهم فاتفق الإخوة على إقصاء يوسف من حياتهم قال الله تعالى: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}[يوسف: 8، 9].
قال الله تعالى: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 16- 18].
إن أخوة يوسف دفعهم الحسد إلى إلقاء يوسف في البئر.
تأمل كم يُهيَّض الحسد تلك النفوس حتى يجعلها تدب في الكيد والخديعة والوقيعة والإفساد في الأرض.. «إن الحسد لنار لكنه في قلب الحاسد».
***
وهذه قصة حسد قريش لرسول الله r
لما بعث الله عز وجل محمدًا r نبيًّا ورسولًا إلى الثقلين كافة وأظهر الله له هذا الدين، أبت قريش وأظهرت غيظها وحسدها لماذا تكون الرسالة في آل هاشم دوننا فأبوا طاعته، وأعلنوا الحرب عليه وهيضوا القبائل ضد دعوته، وسفهوا أمره، وكادوا له المكائد، ونادوا عليه بالساحر والكاهن والشاعر وانطلق حسدهم وعدائهم يفتح أبواقه في المواسم أن محمدًا يفرق بين الأخ وأخيه والمرء وأبيه وبين الرجل وزوجه ولم تكتف قريش بهذا بل بحثت عن أساليب أخرى للكيد والصد معلنة حسدها فأقامت النضر بن الحارث زعيم إعلانها للصد والحسد وقد كان النضر بن الحارث على صلة وثيقة بالفرس حيث سكن الحيرة وتعلم من مبادئ ملوك الفرس وعلومها وديانتها وقام يتابع النبي r في أماكن دعوته التي ينادي الناس فيها إلى توحيد الله ونبذ ما يعبدون من دون الله، فيقوم النضر ويحذر قريشًا ويحدثهم بأحاديث وقصص فارس ثم يقول من باب الحسد: «وهل كان محمد أحسن مني حديثًا وبيانًا؟ إنه يتلوا أساطير الأولين» وهكذا لم يتوقف الأمر على ذلك بل اظهروا خبثهم الممزوج بِسُم حسدهم أن حاولوا اغتياله في مواطن عدة.
واليهود ليس بأقل منهم حسدًا لرسولنا r فلقد وصف الله اليهود في مواضع عدة في كتابه كقوله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109].
والله تعالى عصم نبيه وأعلى شأنه ورفع ذكره في الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه عليه.
قال ابن الجوزي رحمه الله إن أردت العيش فأبعد عن الحسود لأنه يرى نعمتك. وقال: وقد عرفت أن قابيل أخرجه الحسد إلى القتل وإخوة يوسف باعوه بثمن بخس وكان أبو عامر الراهب من المتعبدين العقلاء وعبد الله بن أبي من الرؤساء أخرجهما حسدهم لرسول الله r إلى النفاق وترك الصواب قد غطى الحسد على أقوام فتركوا الحق وقد عرفوه فأمية بن الصلت يقر برسول الله r ويقصده ليؤمن به ثم يعود فيقول لا أؤمن برسول ليس من ثقيف».
وقال- رحمه الله-: «لا ينبغي أن تطلب لحاسدك أكثر مما هو فيه فإنه في أمر عظيم متصل لا يرضيه إلا زوال نعمتك وكلما أمددت امتد عذابه فلا عيش له وما طاب عيش أهل الجنة إلا حين نزع الحسد والغل من صدورهم ولولا أنه نزع تحاسدوا وتنغص عيشهم فنعوذ بالله من ظلمة الحسد فهو مرض من أشد الأمراض والابتلاء به أعظم أنواع الابتلاء يحمل صاحبه على البغي والمكر والوقيعة ويبعد صاحبه عن التقوى».
***
الحسد وطالب العلم
هناك فرق بين طلب العلم بالمنافسة المحمودة، وطلبه بالمنافسة المذمومة. قال ابن القيم الجوزية رحمه الله: «الفرق بين المنافسة والحسد أن المنافسة هي المبادرة إلى الكمال الذي تشاهده من غيرك فتنافسه فيه حتى تلحقه أو تجاوزه فهي من شرف النفس وعلو الهمة وكبر القدر.
قال الله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26].
وأصلها من الشيء النفيس الذي تتعلق به النفوس طلبًا ورغبة فتنافس فيه كل من النفسين الأخرى ربما فرحت إذا شاركتها فيه كما كان أصحاب الرسول r يتنافسون في الخير ويفرح بعضهم ببعض باشتراكهم فيه بل يحض بعضهم بعضًا عليه مع تنافسهم فيه وهي نوع من المسابقة قال الله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148].
فإذا رغب العلماء وطلاب العلم بعلمهم المال والشهرة والجاه تحاسدوا ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله: «الحسد مرض من أمراض النفس وهو مرض غالب فلا يخلص منه إلا القليل من الناس».
فالحسد إذا تمكن من طالب العلم فإنه ينبت حب الدنيا في قلبه وهذا يفسد عليه أعماله فكلما زاد وتوغل في نفسه كان الإثم أكثر والضرر أكبر وهذا يفسد على طالب العلم طريقه في الطلب نعوذ بالله من ذلك.
فلو أن طالب العلم طلبه بإخلاص لصفا قلبه في الطلب، وعمل بالمنافسة المحمودة مع الأقران دون التعرض لهم بالأذى أو قدحهم بالإساءة أو الرغبة في حصول المكروه لديهم أو الفرح بما يضرهم.
فهذا ترى الحاسد من هؤلاء يسره ويفرح إذا وقع قرينه من طلبة العلم في الخطأ، ففرحه هذا لأن قرينه يزاحمه على الصدارة في الطلب، ويفرح بتأخره عن مجلس العلم، وتجده ينشرح إذا همز قرينه أو أحرج، لأن هذا الأمر في راحة في نفسه، وكذلك تراه يحب أن تراه يقال في قرينه الغيبة أو الأخذ عليه ولا يدافع عنه، وإذا مدح قرينه أمامه تغير وجهه وكره سماع الثناء عليه. وإذا أمر قرينه بالكلام أو الموعظة أو أُستفي أو طلب منه أن يذكر حديثًا من العلم إلا وتراه إما أن يقوم من المجلس أو يهوَّن من شأن ذلك، لأن هذا الحاسد يرى ذلك من أصعب الأمور عليه. كيف يتصدَّر قرينه ويُطلب منه هذا وهو لا يُطلب منه.
وإن قام الناس لقرينه في المجلس من باب الاحترام والتقدير إلا وتراه يُظهر التأفف وعدم الاهتمام فهو يكره أن يفوقه قرينه بهذا التقدير من الناس، وهذه آفاتٌ ينبغي لطالب العلم أن يتخلص منها بمجاهدة نفسه وصيانتها.
ذكر أن الأحنف بن قيس صلى على حارثة بن قدامة السعدي فقال: «رحمك الله كنت لا تحسد غنيًا ولا تحقر فقيرًا».
***
أمثلة من مواقف السلف في الرعاية والتذمم
يبرز فيها التقدير والاحترام لبعضهم ونبذهم الحسد فيما بينهم.
قال ابن القاسم رحمه الله: «سمعت مالكًا وهو يذكر رجلًا رأى فيما يراه النائم في خلافة أبي بكر t أن القيامة قد قامت، وأن الناس حشروا، قال: فكأنه ينظر إلى عمر بن الخطاب t قد فرع الناس بسطه (أي علاهم) قال: فقلت في منامي: بما فضل عمر بن الخطاب الناس؟! قال: فقيل لي بالخلافة والشهادة، وأنه لا يخاف في الله لومة لائم.
فأتى الرجل حين أصبح فإذا أبو بكر وعمر قاعدان جميعًا، فقص عليهما الرؤيا فلما فرغ منها انتهزه عمر، ثم قال له: قم أحلام نائم!! فقام الرجل فلما توفى أبو بكر وولى عمر أرسل إليه، ثم قال له: أعد علي الرؤيا التي رأيتها. قال: أو ما كنت رددتها علي؟! فقال له عمر: أو ما كنت تستحي أن تذكر فضلي في مجلس أبي بكر وهو قاعد».
تأمل هذه الرعاية وهذا البسط في حفظ ما للآخرين وخاصة أهل المنزلة من احترام وتوقير وود.
وروى الحافظ ابن أبي الدنيا في كتابه :«الصمت وحفظ اللسان» عن علي بن الحصين قال: «سمعت طارقًا قال: كان بين سعد وخالد كلام، فذهب رجل يقع في خالد t عند سعد t فقال له: مه! إنَّ ما بيننالم يبلغ ديننا».
ومعنى «مه»: أي اكفف عن هذا.
تأمل كيف منعه سعد أن يخوض في القول ضد خالد، وهذا يدل على سلامة القلوب وإن كان هناك من الخلاف في أمر ما.
وروى الإمام الآجري في كتابه «أخلاق العلماء»: «قال محمد بن الحسين في وصف العلم وطلب العلم: أن يأمن شره من خالطه، ويأمن خيره من صاحبه، لا يؤاخذ بالعثرات، ولا يشيع الذنوب عن غيره، ولا يقطع بالبلاغات ولا يفشي سر من عاداه ولا ينتصر منه بغير حق، ويعفو ويصفح عنه، ذليل للحق عزيز عن الباطل كاظم للغيظ لا مدهن ولا مشاحن ولا محتال ولا حسود ولا حقود ولا سفيه ولا جاف ولا فظ ولا غليظ ولا طعان ولا لعان ولا مغتاب ولا سباب، يخالط من الإخوان من عاونه على طاعة ربه ونهاه عما يكرهه مولاه ويخالق بالجميل، سليم القلب للعباد من الغل والحسد، يغلب على قلبه حسن الظن بالمؤمنين، ولا يحب زوال النعم عن أحد من العباد»
وذكر رحمه الله: عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمهما الله قال: «أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي r من الأنصار إذا سئل أحدهم عن الشيء أحب أن يكفيه صاحبه».
تأمل، فهذا يدل على سلامة القلوب من الحسد.
جاء في سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي- رحمه الله-: «محمد ابن سلام وأبو حفص الفقيه رحمهما الله كان بينهما مودة وأخوة وتآلف مع اختلاف في مذهبهما» وهذا يدل على أن من يطلب العلم وينشره ابتغاء وجه الله لا يحسد أقرانهم من طلاب العلم وإنما يبتغي لهم ما يبتغيه لنفسه ويحب لهم ما يحب لنفسه.
وذكر الإمام الذهبي رحمه الله قال عبد الله بن محمد الوراق: «كنت في مجلس أحمد بن حنبل فقال: من أين أقبلتم؟ قلنا: من مجلس أبي كريب. فقال: اكتبوا عنه فإنه شيخ صالح. فقلنا إنه يطعن عليك. قال: فأي شيء حيلتي شيخ صالح قد بلي بي». وهذا يدل على سلامة القلوب وعافيتها.
وذكر السلماسي رحمه الله في كتابه «منازل الأئمة الأربعة» قال: قال الشافعي رحمه الله: «إذا رأيت رجلًا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلًا من أصحاب رسول الله r فجزاهم الله خيرًا فهم حفظوا لنا الأصل فهم علينا فضل».
هكذا نبذوا الحسد من قلوبهم بتقدير الأقران.
وجاء في سير أعلام النبلاء للذهبي- رحمه الله- أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان يوقر الشافعي- رحمه الله- ويسأله عما أشكل عليه وبلغه عن بعض من حضره أنه ينقل عن فلان وفلان من الأئمة أنهما يهونان من أمر الشافعي ففطن الإمام أحمد لهذا وقال: اعلموا رحمكم الله تعالى أن الرجل من أهل العلم إذا منحه الله شيئًا من العلم وحرمه قرناؤه حسدوه فرموه بما ليس فيه وتبت هذه الخصلة في أهل العلم وطلابه».
اشتهر الشافعي وذاع صيته وبلغ الآفاق وسمع به الركبان وتجمع حوله الطلاب ينهلون مما وهبه الله من العلم فضم مجلسه الكثير من الراغبين للعلم فحسده بعض الأقران.
وأرحم أقوامًا من العي والغباء
وأعذر في بغضي لأنهم ضد
فحاول حاسدوه أن يحرجوه أمام الناس لينتقصوا من مكانته وعلمه ولهذا اتفق أولئك الحساد من أقرانه على الاستعداد لإحراجه أمام الخليفة الرشيد الذي كان يحب الشافعي ويقدره لعلمه وقصد أولئك الحساد التنقيص في شخصية الشافعي رحمه الله تعالى.
دخل الشافعي رحمه الله تعالى إلى مجلس الخليفة فلما جلس بادره هؤلاء بأسئلة حرجة جاء كما يلي:-
ماذا تقول في رجل ذبح شاة في منزله ثم خرج لحاجة وعاد فقال لأهله كلوا أنتم الشاة فقد حرمت علي، فقال أهله ونحن حرمت علينا كذلك؟
فقال الشافعي: إن الرجل كان مشركًا فذبح الشاة على اسم الأنصاب وخرج من منزله لبعض حاجاته فهداه الله إلى الإسلام، وأسلم فحرمت عليه الشاة. وعندما علم أهله بإسلامه أسلموا هم أيضًا فحرمت عليهم الشاة.
ثم سألوا: أخذ رجل قدح ماء ليشرب فشرب نصفه حلالًا وحرم عليه بقية ما في القدح!
قال إن الرجل شرب نصف القدح ورعف في الماء الباقي في القدح فاختلط الدم بالماء فصار حرامًا عليه.
ثم سألوا: رأى رجل وامرأة غلامين في الطريق فقبلاهما، ولما سئلا في ذلك قال الرجل: أبي جدهما، وأخي عمهما، وزوجتي امرأة أبيهما.
فقال الشافعي رحمه الله تعالى: إن الرجل كان أبًا للغلامين، والمرأة أمهما.
وسألوه: زنى خمسة نفر بامرأة فوجب على أولهم القتل، وثانيهم الرجم، وثالثهم الحد، ورابعهم نصف الحد وخامسهم لا شيء عليه! فقال رحمه الله: استحل الأول الزنا فصار مرتدًّا فوجب عليه القتل، والثاني كان محصنًا والثالث غير محصن والرابع كان عبدًا والخامس كان مجنونًا.
وسألوه: أعطى رجل امرأته كيسًا مملوءًا مختومًا وطلب إليها أن تفرغ ما فيه بشرط أن لا تفتحه أو تفتقه أو تكسر خاتمه أو تخرقه وهي إن فعلت شيئًا فهي طالق.
فقال رحمه الله: «إن الكيس مملوءًا بالسكر أو الملح، وما على المرأة إلا أن تضعه في الماء فيذوب ما فيه.
عندها زاد حب الخليفة الشافعي وزاد إعجابه لما شاهده من سرعة فهمه وإدراكه لمثل هذه المسائل، وقال: لله درك. فتصبب العرق من جباه هؤلاء، وما كان قصدهم إلا إحراج الشافعي رحمه الله لينالوا غرضهم من تنقيصه إذا لم يجب على ما طلبوا من أسئلتهم.
كم تطلبون لنا عيبًا فيعجزكم
ويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان من شيمي
أنا الثريا وذان الشيب والهرم
يقول الأحنف بن قيس: «ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال: إن كان أعلى مني عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان نظيري تفضلت عليه».
فأخذ الشاعر هذا فنظمه شعرًا فقال:
سألزم نفس الصفح عن كل مذنب
وإن كثرت منه الجرائم
فأما الذي فوقي فأعرف قدره
وأتبع فيه الحق والحق لازم
وأما الذي دوني فأحلم دائبًا
أصون به عرضي وإن لام لاثم
كيف يتخلص الحاسد من داء الحسد
علمنا فيما مضى صريح الآيات والحديث والآثار ما ينفر من طبع الحسد وإذا علم الحاسد أنه بعمله هذا شابه إبليس في طبعه لأنه يرغب ما يريده إبليس من فساد الناس وزوال ما أنعم الله له عليهم، وأن من تطبع بهذا فهو من جند إبليس وأنه بحسده يعترض على أقدار الله وأنه في هم ونكد وكمد وعذاب فإذا علم الحاسد ذلك دفعه إيمانه ومن ثم خوفه إلى هجران الحسد والانكفاف عنه والاستعاذة بالله منه.
قال الشيخ محمد بن أحمد الحنبلي في كتابه «غذاء الألباب شرح منظومة الآداب»: «إن الآدمي قد جبل على حب الرفعة فلا يحب أن يعلو عليه أحد في نعمة من نعم الدنيا فإذا علا أحد شق عليه وأحب زوال ما علا به».
أنا في الهوى عبد وما
للعبد أن يتعرضا
وتارة في النظر فيما يتعلق بتلك النعم من الآفات.
فإذا لم يعمل بمقتضى ما في النفس ولم ينطق لم يضره ما وضع في الطبع وقد روى أبو هريرة t عن النبي r: «ثلاثة لا ينجو منهن أحد الظن، والطيرة، والحسد. وسأحدثك بالمخرج من ذلك إذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا تطيرت فلا ترجع».
أي: امض لما قصدت له ولا تصدنك عنه الطيرة فالحسد يضر الحاسد في الدين والدنيا، ولا يستضر بذلك المحسود فلا تؤذ نفسك.
أما ضرره في الدين فإن الحاسد قد سخط قضاء الله تعالى فكره نعمته على عباده وهذا قذى في بصر الإيمان، ويكفيه أن شارك إبليس في الحسد وفارق الأنبياء في حبهم الخير لكل أحد.
ثم إن الحسد يحمل على إطلاق اللسان في المحسود بالشتم والتحيل على آذاه.
وأما ضرره في الدنيا فإن الحاسد يتألم ولا يزال في كمد.
دع الحسود وما يلقاه من كمده
كفاك منه لهيب النار في جسده
إن لمت ذا حسد نفست كربته
وإن سكت فقد عذبته بيده
***
فهل لمريض داء الحسد دواء؟
إنه متى كان الحاسد مدركًا عقوبة حسده وأذاه فإن علاجه أن يترك أسباب الحسد كلها باطنها وظاهرها وهي المذكورة سابقًا ثم عليه أن يعلم أنه يحسد أخوة له في الدين، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].
وهو يحسدهم على ماذا؟ إنما يحسدهم على حطام الدنيا الزائل لا غير فهل حسدهم على صيام النهار وقيام الليل وقراءة القرآن وحضور مجالس العلم والذكر والعمل الصالح ظاهره وباطنه فلا أراه هنا يحسدهم فرحم الله مسلمًا عرف مقدار نفسه، وتأمل حال الدنيا وزوالها وعاش الدنيا مع إخوانه المسلمين برحابة صدر وصدق لقاء وطلاقة وجه ومحبة في إخاء وتعاون على البر والتقوى.
قال الأصمعي: «رأيت أعرابيًا أتى عليه مائة وعشرون سنة فقيل له: ما أطول عمرك! قال: تركت الحسد فبقيت».
هذا هو شأن المسلم مع إخوانه المسلمين.
كما قال العابد حاتم الأصم: «نظرت في هذا الخلق فأحببت واحدًا، وأبغضت واحدًا، فالذي أحببته من الناس لم يعطني والذي أبغضته لم يأخذ مني شيئًا، فقلت في نفسي: من أين أتيت في هذا؟ فرأيت أني أوتيت من قبل الحسد فطرحت الحسد من قلبي، فأحببت الناس كلهم فكل شيء لم أرضه لنفسي لم أرضه لهم».
هكذا نستطيع أن نحب المسلمين ماداموا على طاعة الله. ومحبة الخير للمسلمين أمر واجب في ديننا.
ولذلك قال رسول الله r: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [متفق عليه].
وتأمل قوله: «فكل شيء لم أرضه لنفسي لم أرضه لهم».
هكذا استطاع حاتم بتوفيق ربه أن يزيل أسباب الحسد من قلبه، وينعم بالطمأنينة مع إخوانه المسلمين وما ذاك إلا حينما طرح الحسد من قلبه وأحب الناس وتعامل معهم بمقتضى روابط الأخوة الإيمانية.
فهل يتحقق هذا في واقعنا؟
إنه يتحقق حينما نعود إلى ظل الأخوة الإسلامية ورياضها كما أمرنا الله بذلك، فقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103].
فالإخوة الإسلامية تقتضي حسن الخلق وطيب اللقاء مع المسلمين حيث أنها رباط إيماني يمتدد من تقوى الله عز وجل ليصل بالفرد إلى الاعتصام مع الجماعة بحبل الله تعالى.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
قال خالد بن صفوان رحمه الله: «إن أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم».
قال عمر t: «لقاء الإخوان جلاء الأحزان، وإذا رزقك الله مودة امرئ مسلم فثبت بها». قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: «لولا صحبة الأخيار، ومناجاة الحق تعالى بالأسحار، ما أحببت البقاء في هذه الدار».
وقال ابن مسعود t: «من أراد أن يُعطى الدرجة القصوى يوم القيامة فليصاحب في الله».
وذكر ابن قتيبة رحمه الله تعالى: «قال اليزيدي: رأيت الخليل بن أحمد فوجدته قاعدًا على طنفسة فأوسع لي فكرهت التضييق عليه فقال: إنه لا يضيق سم الخياط على متحابين، ولا تسع الدنيا متباغضين».
يقول أبو سليمان الدارني رحمه الله تعالى: «لو أن الدنيا كلها في لقمة ثم جاءني أخ لي لأحببت أن أضعها في فيه».
وهو الذي يقول: «إني لألقم اللقمة أخًا من إخواني فأجد طعمها في حلقي».
وقال علي بن الحسين t لرجل: «هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذنه؟! قال: لا. قال: فلستم بإخوان؟!».
هكذا يعرفون قدر إخوانهم ويجعلون الميزان الحقيقي للأخوة الحب في الله كما بينه النبي r في الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله عن أنس t قال: قال رسول الله r: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
وجاء في لفظ آخر فيما رواه البخاري وأبو داود والترمذي ومالك رحمهم الله تعالى: «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير».
فهذا هو الضابط لمفهوم الأخوة الإسلامية الذي لا يكمل الإيمان إلا بمثله نقل ابن حجر رحمه الله تعالى أن الإمام الكرماني رحمه الله قال عند شرح هذا الحديث: «ومن الإيمان أيضًا أن يبغض ما يبغض لنفسه من الشر ولم يذكر في الحديث لأن حب الشيء مستلزم لبعض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاء».
ولهذا كان السلف رحمهم الله تعالى يبذلون ما في وسعهم للإخاء الصادق، فهذا الإمام مسلم رحمه الله تعالى يروي لنا في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة أن أبا هريرة t يطلب من النبي r أن يدعوا له ولأمه بالمحبة الصادقة للمؤمنين، فقام الرسول r يدعوا لهما: «اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين».
وهذا لأن الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى ديننا ولا يكمل الإيمان إلا بهذا التواجد العاطفي بين المسلم وأخيه المسلم.
ومصداقًا لذلك قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].
وجاء في الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».
فمن حق هذه الأخوة والرابطة القوية التي دعا لها الإسلام أن يقوم المسلم بواجبها مع إخوانه المسلمين من التعاون على البر والتقوى والسماحة واللطافة والاحترام والجود والإحسان والكرم والبر والصلة والألفة والتواضع والحياء وضبط النفس وحفظ اللسان واللين والرفق ورغبة الخير لهم والابتعاد عن الإساءة لهم كالحسد والتجريح والمضايقة والإثم والبخل والشح والخيانة والظلم والغلظة والفضاضة والكبر وكشف العيوب وسلاطة اللسان بالغيبة والنميمة وكل ما يسيء للأخوة بينهم، وهذا هو مقتضى حديث نبينا r: «المؤمن ألف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» [رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى].
فأصحاب النفوس الزكية والقلوب النقية يحبون الخير لإخوانهم المسلمين، ويتمتعون بلذة المآخاة معهم ويعتبرونها عبادة يتقربون إلى الله بها، أما أصحاب القلوب المظلمة التي عماها الحسد وأفسدتها الغيرة الممقوتة، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمة ويبغونهم السوء، ويفرحون بسوء حالهم، ويسعدون لتتبع سقطات أقرانهم وما ذاك إلا بسبب الإرادات المريضة التي لا تحب للآخرين ما تحبه لها فتكيد وتمكر وتحتال على الموهوب، وما ذنبه؟! إلا لأن الله فضله بشيء من نعمه فحاز الرفعة والسبق، ومحط الأنظار فصار ذلك المريض بداء الغيرة الممقوتة يظهر ما في نفسه من الحسد، قال رسول الله r عن الحسد: «لا يجتمعان في قلب عبد الإيمان والحسد».
فالحسد عواقبه خطيرة، قال القرطبي رحمه الله: «الحسد مذموم، وصاحبه مغموم».
حسد العين
قال الله تعالى حكاية عن يعقوب في قصة يوسف u: {وَقَالَ يَا بَنِي لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ} [يوسف: 67].
قال الله تعالى: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} [القلم: 51].
قال النبي عليه الصلاة والسلام: «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا» [رواه مسلم رحمه الله عن ابن عباس t].
ومعنى قوله: (استغسلتم فاغسلوا): أي إذا وقع حسد العين من أحدكم على الآخر فإنه يؤمر بالاغتسال ليأخذ المحسود الماء بعد غسله ليغتسل به.
وفي الحديث: «العين حق حتى تدخل الجمل القدر والرجل القبر». [متفق على صحته].
وروى البزار رحمه الله عن جابر بن عبد الله t أن النبي r قال: «أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضاءه وقدره بالأنفس».
وروى مالك عن محمد بن أبي أمامه بن سهل بن حنيف: «أنه سمع أباه يقول: اغتسل سهل بن حنيف بالجرار «ماء المدينة» فنزع جبة كانت عليه. وعامر بن ربيعة ينظر قال وكان سهل رجلًا أبيض حسن الجلد قال: فقال له عامر بن ربيعة: «ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء» فوعك سهل مكانه، واشتد وعكه فأتى رسول الله فأخبر أن سهلًا وعك وأنه غير رائح معك يا رسول الله، فأتاه رسول الله r فأخبره سهل بالذي كان من شأن عامر. فقال رسول الله r: «علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت إن العين حق توضأ له». فتوضأ عامر فراح سهل مع رسول الله r ليس به بأس وفي رواية اغتسل فاغتسل له عامر وجه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم صب عليه فراح سهل مع رسول الله r ليس به بأس.
ومن هنا نعلم أن حسد العين حقيقة ظاهرة فالله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم وهو قائم في النفوس التي لا تتقي الله.
جاء في الطب لابن القيم الجوزية رحمه الله أنه قال: «أبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين وقالوا إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل ومن أغلظهم حجابًا وأكثفهم طباعًا وأبعدهم عن معرفة الأرواح والنفوس وأفعالها وتأثيراتها وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ولا تنكره وإن اختلفوا في سببه ووجهه تأثير العين».
وقال في موضع آخر: «العين عينان: عين إنسية وعين جنية».
وهذا يعني أن الجن يصيبون بهذا الداء كما هو حال الإنس فالإنس يصيبون بنظرات عيونهم وكذا الجن ينفسون بأعينهم.
قال الخطابي رحمه الله: «عيون الجن أنفذ من الأسنة».
وعلى هذا يفهم أن العين قد تأتى عن طريق الإنس أو الجن وكلاهما شر يجب التعوذ بالله منه، فحسد العين ينطلق من نفس شريرة لم تروض على الخير بل تفلتت فتطبعت على الشر.
قال ابن القيم رحمه الله عن العين التي تخرج من الإنسان: «سهام تخرج من نفس الحاسد، والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة وتخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفًا لا وقاية عليه أثرت فيه ولابد، وإن صادفته حذرًا شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه».
وهذا والذي يظهر لي أن المقصود أنه تحصن بالأذكار الشرعية وقوة الإيمان فإنه والحالة هذه لا تؤثر فهي وإن كان ضعيفًا هزيلًا بإيمانه وأذكاره أثرت فيه.
فالعين تحصل بمشيئة الله بسبب إعجاب العائن بما لدى الآخرين فإن العائن يتبع ذلك الإعجاب بنفس خبيثة توجه نارها بنظرة إلى الميعن وتعينه على ذلك قوة شيطانية خفية تؤدي هذا الغرض.فأمثل تلك العين بنظرة مسمومة تخرج من نفس العائن كالسهم الحاد فيخطفه الشيطان ويطعن به في جسد المعين فتارة تصيب رأسه وتارة تصيب بطنه أو قدمه أو يده أو ماله ونحو ذلك فيتأثر المعين بمشيئة الله وربما مرض أو مات.
لهذا ينبغي على من يحصل منه هذا أن يستغفر الله ويذكره ويثني عليه ويعود لسانه «ما شاء الله تبارك الله» حين يرى ما يعجبه عند الآخرين فإن النبي r قال: «إذا رأى أحدكم ما يعجبه في نفسه أو ماله فليبارك عليه فإن العين حق» [رواه ابن السني رحمه الله].
وجاء في لفظ آخر: «وأعجبه ما يعجبه فليدع بالبركة».
وفي لفظ : «علام يقتل أحدكم أخاه إذا رأى أحدكم ما يعجبه فليدع له بالبركة».
فعلى المسلم إذا رأى ما يعجبه عند نفسه أو عند الآخرين أن يثني على الله ويحمده ويقول:«ما شاء الله لا قوة إلا بالله» وليتق الله من النظرات الشرهة الجامحة للشرِّ والحقد.
والعاقل هو الذي يدرك أن فضل الله يؤتيه من يشاء وأن الله قسم على العباد أرزاقهم فيرضى بما قسم الله فتطمئن نفسه.
***
قرأت
أن امرأة كانت مشهورة بحسد العين فجاء إليها رجل يعمل بالتجارة فقال لها: إن تجارًا سيأتون اليوم بقافلة محملة بالتجارة والبضائع فأريد منك أن تخرجي معي على طرف الطريق فإذا أقبلت القافلة من بعيد ترمينها بسهام عينك قالت: نعم؛ فخرجت معه فلما أقبلت القافلة من بعيد قال لها: انظري. قالت: له أتراها من بعيد؟ فأصابته بالعين فعميت عينه فكأنه عاتبها فقالت خرجت. نعوذ بالله.
وذكر الحموي صاحب «ثمرات الأوراق» رحمه الله قال: كان أبو عبد الله البناجي مجاب الدعوة فبينما هو في أسفاره إما حاجًا وإما غازيًا على ناقة وكان في الطريق رجل عائن قلّما ينظر إلى شيء إلا أتلفه وأسقطه وكانت الناقة فارهة فقيل له: أحفظها من العائن فقال أبو عبد الله: ليس له إلى ناقتي سبيل فأخبر العائن بقوله فتحيز غيبة أبي عبد الله فجاء إلى رحله وعان ناقته فاضطربت ناقته وسقطت تضطرب فجاء أبو عبد الله فأخبر فقيل له: قد عان ناقتك وهي تراها تضطرب. فقال: دلوني على العائن فدل عليه فقال: بسم الله ردت عين العائن عليه ثم قرأ: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} فخرجت حدقة العائن وقامت الناقة لا بأس بها».
قال الأصمعي رأيت رجلًا عيونًا سمع بقرة تحلب فأعجبه شخبها فقال أيتهن هذه؟ فقالوا الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها فهلكتا جميعًا المورى بها والمورى عنها.
قال الأصمعي وسمعته يقول: «إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني» نعوذ بالله.
وقرأت أن رجلًا إذا نظر للملاعق تنثني وإذا نظر إلى لفازة الزهور أسقطها فتتحطم من شر حسده وقوة عينه وفي وقتنا الكثير من هذه الوقائع التي تحكي هذا الأمر ولهذا ذكر العلماء أن الحسد آفة حقيقية تنفذ سمومها في الواقع».
***
كيف يتوقى من حسد العين؟
بالاستعاذة بالله وتوحيده ومعرفته بأسمائه وصفاته مع التوكل عليه.
روى البخاري ومسلم رحمهما الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: أن رسول الله r: «كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيها { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات».
وروى الإمام أحمد والنسائي عن عقبة: «أن النبي r قال: يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} يا عقبة اقرأهما كل ما نمت وقمت ما سأل سائل ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما».
وروى البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله r يعوذ الحسن والحسين ويقول: «أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة وكل عين لامة ويقول: هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل عليهما السلام».
فينبغي للمسلم أن يكثر من الاستعاذة بالله في كل وقته في الليل والنهار والصباح والمساء وكذا قراءة آية الكرسي وفاتحة الكتاب.
روى الديلمي عن عمران بن الحصين رضي الله عنهم أن النبي r قال: «فاتحة الكتاب وآية الكرسي لا يقرأهما عبد في دار فتصيبهم في ذلك اليوم عين إنس ولا جن».
وكان بعض السلف يتحصن فيقول: «تحصنت بالله الذي لا إله إلا هو. إلهي وإله كل شيء، واعتصمت بربي ورب كل شيء، توكلت على الحي الذي لا يموت واستدفعت الشر بلا حوله ولا قوة إلا بالله حسبي الله ونعم الوكيل حسبي الرب من العباد حسبي الخالق من المخلوق حسبي الرازق من المرزوق حسبي الذي هو حسبي، حسبي الذي بيده ملكوت كل شء وهو يجير ولا يجار عليه، حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله مرمى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم» هكذا يستطيع المسلم أن يحصن نفسه من أعين الإنس وأنفس الجن.
أما إذا وقعت الإصابة بحسد العين فإن العلاج كالآتي:
إذا عرفنا صاحب العين (الحاسد) فإن الأمر يتطلب حسن الظن بالله تعالى والتوكل عليه ثم مشافهة العائن بفعله حتى يقوم العائن بالغسل كما هو من حديث محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف بالخرار فنزع جبة كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر قال: وكان سهل رجلًا أبيض حسن الجلد فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء» قال: فوعك سهل مكانه واشتد وعكه فأتى رسول الله r فأخبر أن سهلًا وعك. فقال رسول الله r: «علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت إن العين حق توضأ له». فتوضأ له عامر فراح سهل مع رسول الله r ليس به بأس».
وفي لفظ آخر رواه الإمام أحمد وابن ماجة: «هل تتهمون له أحدًا؟» قالوا: نتهم عامر بن ربيعة. قال: فدعا رسول الله r عامرًا فتغيظ عليه وقال: «علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت. اغتسل له» فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم صب عليه فراح سهل مع الناس ليس به بأس».
ذكر القرطبي رحمه الله فقال: «ركب سعد بن أبي وقاص t يومًا فنظرت إليه امرأة فقالت: إن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين فرجع إلى منزله فسقط فبلغه ما قالت المرأة فأرسل إليها فغسلت له».
أما ما يفعله بعض الناس من تتبع أثر العائن وأخذ موطأ قدمه أو أكل ما فضل منه من طعام وأمثال هذا فلا أصل له.
وكذلك ما يفعله البعض من تعليق الحروز والتمائم والخيوط والنعال وجلود الذئاب والثعالب ونحو هذا لطرد العين والتحصن منها فهذا النوع يعد من الشرك.
ثانيًا: إذا أصيب الإنسان بالعين ولم يعرف العائن فإن طريقة علاجه بالتوجه بالدعاء إلى الله ثم بالرقية الشرعية وهي أن يقرأ عليه سورة الفاتحة وآية الكرسي وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس مع النفث ويدعى له بالشفاء ويعوذ بالتعوذات الشرعية التي وردت عن رسول الله r منها: «أعيذك بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة». ونحو ذلك مما سبق ذكره.
خلاصة هذا الكتاب
1- الحسد مرض اجتماعي جاء التحذير منه.
2- الحسد نار يحرق صاحبه.
3- الحسد يقتل التنافس الشريف.
4- الحسد يؤدي إلى اللدد والخصومة.
5- الحسد يزرع الضغائن في المجتمع.
6- الحسد لباس من لا خلاق له.
7- الحسد من أسلحة الشيطان للفرقة والتناحر.
8- الحسد يتنافى مع روح السماحة بين المسلمين.
9- الحسد يزرع في قلب صاحبه الفساد وفي نفسه الفجور.
10- الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
11- الحسد يجنح بصاحبه إلى المقت والكذب.
12- الحسد صورة للغلظة في القلوب والعيب في النفوس.
13- الحسد سم في فم صاحبه، يجرح به الآخرين.
14- الحسد يعمل على تفشي سوء الظن بين المسلمين.
15- الحسد ينبت الجفاء في القلوب.
16- الحسد نقص في الإيمان وقدح في القلوب.
17- الحسد يحض صاحبه على الغمز والهمز واللمز { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} .
18- الحسد علامة على قلة الحياء (والحياء من الإيمان).
19- الحسد بريد النظرات المسمومة والنفوس الشرهة.
20- الحسد يزرع الإثم والقطيعة.
21- الحسد من كبائر الذنوب والآثام.
22- الحسد من وسائل هلاك الأمة.
23- يزرع منهج الاختلاف وجاء في الحديث: «فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا».
24- الحسد يعين على خلق الاتهام وعدم التثبت.
25- الحسد يزرع العداوات وينشر الظلم ويقضي على الولاء والبراء في قلب صاحبه.
26- الحسد صاحبه يبغض من يحبه الله ويحب من يبغضه الله.
27- الحسد يقطع صلة الود والمحبة بين المسلمين.
28- الحسد صاحبه يناصب أقرانه العداء.
29- الحسد يجر صاحبه للاحتكار والتسخط بالآخرين.
30- الحسد يحمل صاحبه على إيقاع الشر بالمحسود.
31- الحسد لا يجتمع مع الإيمان.
32- الحسد صاحبه شرعت له الاستعاذة بالله من شره. قال الله تعالى: { وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } .
***
الخاتمة
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، الداعي للبشارات.
وأود أن أجعل خاتمة هذا لكتاب إقراري بأن ما جاء فيه من حق فهو بمعونة الله وتوفيقه، وما يحتمل أن يكون خلافه فهو من قصوري وأستغفر الله وأتوب إليه.
دعاء
اللهم متّع قلوبنا بذكر جلالك، وسهرنا عما نامت عنه عيون الغافلين.
اللهم نسألك لذة العيش بعد الموت، وحسن النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك، ونعوذ بك من شر حاسد إذا حسد. آمين.
كتبه ويرجو الدعاء
عيسى بن إبراهيم الدريويش

------------------------